تقييم أثر التسعير بالدقيقة على كفاءة المواقف في الرياض

images
المصدر: قناة أرقام (argaam) على يوتيوب

ولكننا، في هذا التحليل من أرقام إنتليجنس، نناقش الموضوع من زاوية أخرى، وهي أن هذا الأسلوب المتَّبع في إدارة مواقف السيارات المدفوعة في الشوارع بالمناطق الرئيسية بالمدينة قد يغفل أن هذا النهج المعتمد حصرا على حساب مستوى الإشغال كمعيار قياسي قد يخلط بين النتائج والسياسة المتبعة، إذ إن مستوى الإشغال هو نتيجة للسياسة المتبعة، وليس جزءًا من أدواتها.
وتتمثل إحدى هذه الأدوات المقترحة من قبلنا، والتي تسهم في رفع مستوى الإشغال، في كيفية تحديد أسعار فترة الوقوف وتطبيق القواعد المنظِمة له.

نظام المحاسبة الحالي للاستفادة من خدمات مواقف السيارات في مدينة الرياض هو 3,45 ريالات  في الساعة، ويشمل السعر فترة سماح مجانية مدتها 15 دقيقة قبل تفعيل حساب مدة الوقوف، وهو نظام يستهدف تحقيق مستوى إشغال محدد بوصفه هدفا تشغيليا، وذلك على افتراض أن الحفاظ على مستوى إشغال مثالي سوف يعزز الكفاءة في الاستفادة من المساحات.

ويؤكد النهج الذي نقترحه هنا أن الإدارة الفعالة لمواقف السيارات يجب أن تبدأ بتصميم استراتيجيات تسعير مناسبة. فهذه الأسعار من شأنها أن تؤثر في قرارات قائدي المركبات – مثل تحديد مدة بقائهم في الموقف وهل سيفضلون خيارات بديلة – وبالتالي فهي تحدد مستويات الإشغال، ومعدلات تعاقب المركبات على الموقف الواحد، وتنويع مصادر الإيرادات.
هذا النهج في التحليل ينطلق من منظور الاقتصاد السلوكي الذي يحدد كيفية اتخاذ الأفراد قراراتهم على أرض الواقع، ويوضح أن تأثير الإشارات السعرية في سلوك قائدي المركبات عنصر أساسي لخلق نظام مواقف مستدام وذو جدوى مالية.

وتأتي في جوهر اقتصاد مواقف السيارات في الشوارع علاقة سببية مهمة: فآليات التسعير تحدد التأثير على سلوكيات قائدي المركبات، وهذا التأثير يحدد بدوره نتائج الاستخدام، مثل مستوى الإشغال ومعدل تعاقب المركبات.
وأسلوب التسعير الذي نتوخاه هنا هو تسعير أكثر استمرارية، أي فرض الرسوم على أساس الدقيقة وليس الساعة. وهو أسلوب يربط ما بين التكلفة الحدية، أي تكلفة استخدام المزيد من الوحدات الزمنية، والاستخدام الفعلي. الأمر الذي يساعد السائقين على تقدير التكلفة الحقيقية لخياراتهم عند شغل المواقف.

التسعير الذكي للمواقف: قياس أدق لا تحصيل فقط

  • تسعير المواقف ليس مجرد أداة تحصيل عندما تُحدَّد الأسعار ويُقسَّم وقت الوقوف إلى وحدات زمنية أصغر، يصبح بالإمكان قراءة مؤشرات الاستخدام مثل الإشغال والدوران قراءة واقعية، لأنها تنشأ من سلوك السوق الفعلي وليس من تقديرات عامة أو فترات زمنية واسعة تُشوّه القياس المنهجي.
  • مستوى الإشغال ليس هدفًا بحد ذاته
    اقتصاديا، لا يفضل التعامل مع معدل الإشغال كهدف مستقل دون النظر إلى السياسة الاستراتيجية التي تحدد الجدوى الاقتصادية من طريقة التسعير (ساعة أم دقيقة).

عدم الكفاءة في تسعير المواقف

قد يتجاوز قائدو المركبات حدود الساعة بقليل، حتى لو كانوا يحتاجون فقط إلى بضع دقائق إضافية، وهو ما يؤدي إلى تكبدهم رسوماً مضاعفة، متمثلة في حساب ساعة إضافية، مقابل وقت إضافي قصير. أما إذا كانت المحاسبة بالدقيقة، فلن يدفع قائدو المركبات إلا مقابل الوقت المحدد الذي يستفيدون منه.
وحسبما يتضح من مقارنة التكلفة الحدية، أي تكلفة الوحدة الزمنية الإضافية، في الشكل رقم 1 أدناه، فعند اعتماد التسعير بالساعة المحددة في الرياض راهنا بـ 3,45 ريالات سعودية، تصبح التكلفة الحدّية للوقت الإضافي شبه معدومة بمجرد دفع قيمة الساعة الأولى، لكن بمجرد كسر الساعة المحسوبة، تقفز التكلفة الحدّية فجأة إلى حساب ساعة أخرى، فلا يتحقق العائد الأمثل مقارنةً بنظم تسعير أكثر دقة بالدقيقة الواحدة (5.75 هللة للدقيقة الواحدة في نظام التسعير الحالي).

كيف يزيد التسعير بالدقيقة الإيراد؟

  • في نظام التسعير بالساعة، الدولة تحصل 3.45 ريالات سواء استخدم السائق 10 دقائق أو 60 دقيقة
  • العائد الأعلى لا يُفهم على مستوى فرد واحد فقط، بل على مستوى نظام التسعير بالدقيقة ككل
  • العائد الأعلى لا يأتي تلقائيًا من التسعير بالدقيقة لمستخدم واحد، بل من تصميم هيكل التسعير+ زيادة عدد المستخدمين أي معدل الدوران، ولكن إذا ابقينا سعر الدقيقة كما هو 5.75 هللة للدقيقة الواحدة.
  • ليس شرطا أن تكون الدقيقة = 3.45 ÷ 60. فيمكن للدولة أن تضع سعر دقيقة أعلى قليلا مثلا 8 هللات
image

ملاحظة على الرسم البياني: 

الخط الأزرق = التسعير بالساعة (تُحسَب الرسوم على شكل كتل زمنية، مع ارتفاعات في كل ساعة).
الخط البرتقالي = تحديد الأسعار بالدقيقة (تكلفة ثابتة صغيرة لكل دقيقة، لذلك فهي تعريفة لا تتغير). الفكرة هي إظهار الإشارة التسعيرية   المتقطعة أو المتكتلة مقابل المستمرة.

قد تكون مساحة محاذية للرصيف مشغولة بالكامل طوال اليوم، ولكنها لا تزال تحقق فائدة اقتصادية منخفضة إذا بقيت المركبة نفسها لفترات طويلة؛ وعلى النقيض من ذلك، فإن ارتفاع معدل تعاقب المركبات يعني أن العدد الثابت نفسه من المساحات يخدم المزيد من الرحلات، ويحسِّن إتاحة المواقف لمستخدمي الطرق الذي يرغبون في ترك مركباتهم لفترات قصيرة، ويخلق كذلك قاعدة أوسع لتوليد الإيرادات دون زيادة المعروض. وهذه الآلية مدعومة ببرامج تجمع البيانات عن المواقف القائمة على الطلب الفعلي وتقيس مدد الوقوف ومدى توافر المواقف بشكل مباشر. ويشير ملخص التقييم الذي أصدرته وزارة النقل الأمريكية عن برنامج LA ExpressPark، المستخدم في إدارة مواقف الشوارع في لوس أنجلوس والذي يعتمد على أسلوب تسعير قائم على الطلب، إلى زيادة سرعة الحركة بعد إصلاح هيكل التسعير، وشملت التحسينات انخفاضا بنسبة 37٪ في مدة وقوف السيارات في وسط مدينة لوس أنجلوس (مع انخفاضات إضافية في مناطق أخرى)، إلى جانب زيادة بنسبة 10٪ في توافر المواقف، وزيادة بنسبة 16٪ في إيرادات المواقف في بعض المناطق – وكل ذلك يتوافق مع تصميم هيكل التسعير الذي يوجِّه السلوكيات نحو فترات الوقوف الأقصر ومعدل التعاقب الأعلى.وبالمثل، خلصت الأدلة الأكاديمية التي حللت مجموعات بيانات كبيرة وذات جودة عالية إلى أن مدة الوقوف تنخفض مع ارتفاع الأسعار، وأن انعكاسات تعاقب المركبات يمكن أن تختلف باختلاف السياقات، وهو ما يعزز فكرة أن التسعير المناسب يؤثر في اتخاذ القرار بشأن زمن الوقوف الإضافي وليس فقط على قرار صف السيارة من عدمه.وبالنسبة للمشروع التجريبي في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص في الرياض، فإن تأطير المسألة على هذا النحو مهم لأن قاعدة الإيرادات القائمة على معدل التعاقب عادة ما تكون أكثر قابلية للزيادة وأكثر صلابة من الاعتماد على ارتفاع مستوى الإشغال وحده.

image

إعادة تقييم الجوانب الاقتصادية لسياسة الوقوف المجاني لمدة 15 دقيقة

غالباً ما تُبرَّر فترة السماح المجانية البالغة 15 دقيقة على أنها ميزة تراعي راحة المستخدم، ولكنها من منظور اقتصادي صرف بمثابة دعم صفري بلا عائد على مستوى التكلفة الحدية
الإشارة السعرية هنا تصبح مشوَّهة، ويختفي وراءها جزء من الطلب الحقيقي، ولا سيما في بيئات الطلب المرتفع.
ومن الناحية العملية، تؤدي فترات السماح المجانية إلى تضخيم الطلب الظاهري دون الكشف عن استعداد المستخدمين الحقيقي للدفع مقابل الوقوف، وهو ما يعقَّد عملية تحديد الأسعار المناسبة في المستقبل ويُضعِف مكاسب الكفاءة التي تعتمد على انخفاض معدلات التعاقب التي نوقشت آنفاً.

والبديل العملي ليس بالضرورة فرض رسوم من اللحظة الأولى، ولكن اعتماد وحدة تسعير قصيرة المدة وغير صفرية القيمة، مثل استخدام فترات محاسبة من خمس دقائق، إن لم يتم اعتماد نظام الحساب بالدقيقة. ويحافظ هذا النهج على التسعير المستمر (بحيث تبقى الإشارة السعرية دقيقة وغير متقطعة).

ملاحظات ختامية 

في نظام التسعير بالدقيقة، أداء الإيرادات يصبح مدفوعاً بمعدل التعاقب وليس بمعدل الإشغال الجامد. وهذا أمر مهم للمقرضين والمستثمرين لأن الإيرادات القائمة على معدل التعاقب عادة ما تكون أكثر قابلية للزيادة وللتنبؤ بها: فترات وقوف أقصر تزيد عدد المعاملات المدفوعة الأجر لكل موقف في اليوم، وهو ما يؤدي إلى تسهيل التدفقات النقدية دون الحاجة إلى زيادة التعريفات المعلنة أو توسيع الطاقة الاستيعابية، وبدلاً من الاعتماد على فئة من المستخدمين الذين يتركون سياراتهم في المواقف فترات طويلة.
أما إذا ظل التسعير على أساس فترات زمنية طويلة وشمل فترات مجانية قبل تفعيل حساب الوقوف، فإن الإشارات السعرية التي تساعد على تحديد حجم الطلب سوف تكون ضعيفة وسيكون لمعدل التعاقب سقف لا يمكن تجاوزه.

المصدر:

https://weekend.argaam.com/86/ar/Per-Minute_Parking