في منعطف لافت يكشف عن تحولات جوهرية في رؤية المملكة العربية السعودية نحو مستقبلها الرقمي، بات مشروع نيوم العملاق يسلك مساراً جديداً يختلف جذرياً عمّا أُعلن عنه في البداية؛ إذ تتراجع صورة المدينة المستقبلية الطموحة لتحلّ محلها أولويات أكثر واقعية وأعمق استراتيجية، تتمحور حول البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة.
منذ الإعلان عنه عام 2017، استقطب مشروع نيوم اهتماماً عالمياً واسعاً بوصفه أحد أكثر المشاريع العمرانية جرأةً وطموحاً في تاريخ البشرية. وكان مشروع «ذا لاين» — المدينة الخطية التي تمتد على مسافة 170 كيلومتراً وسط صحراء تبوك — يمثّل التجسيد الأبرز لهذا الحلم، حيث وعد المخططون ببيئة حضرية لا سيارات فيها ولا طرق تقليدية، تعتمد كلياً على الطاقة المتجددة وتستوعب تسعة ملايين نسمة.
غير أن المعطيات الراهنة تُشير إلى أن المشروع يمرّ بمرحلة إعادة تقييم شاملة. فقد تقلّصت التوقعات الأولية بصورة ملموسة؛ إذ كشفت تقارير متعددة أن حجم المشروع جرى تخفيضه إلى نحو كيلومترين فحسب في المرحلة الأولى، في حين تراجعت توقعات عدد السكان تراجعاً حاداً مقارنةً بالأرقام الأولية المُبهرة. وقد رافق ذلك تسريح موجات من العمالة وإعادة هيكلة إدارية واسعة النطاق.
بيد أن الأهم من ذلك كله هو التحوّل في الأولويات الاستراتيجية للمشروع. فبدلاً من التركيز على الجانب العمراني والسكاني، باتت الأنظار تتجه نحو توظيف البنية التحتية الهائلة التي أُنشئت في المنطقة لخدمة أغراض التحول الرقمي. ويأتي في مقدمة ذلك إنشاء مراكز بيانات متطورة وبنية تحتية متكاملة لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، في ظل تنامي الطلب العالمي المتسارع على هذه الخدمات.
ويبدو أن هذا التوجه الجديد يتوافق مع مساعي المملكة العربية السعودية لتعزيز مكانتها لاعباً محورياً في سباق الذكاء الاصطناعي على الصعيد الدولي. فقد أعلنت المملكة عن استثمارات ضخمة في هذا القطاع، وأبرمت شراكات استراتيجية مع كبرى شركات التقنية العالمية، في سياق خطتها الشاملة لتنويع مصادر الاقتصاد الوطني بعيداً عن الاعتماد على النفط.
ولا يعني هذا التحول بالضرورة نهاية الطموح العمراني لنيوم، بل ربما يعكس نضجاً في الرؤية وبراغماتية في التنفيذ. فالبنية التحتية الرقمية التي يجري إنشاؤها اليوم قد تكون الركيزة الأساسية التي تقوم عليها المدينة الذكية في مراحل لاحقة، حين تكون الظروف التقنية والاقتصادية أكثر نضجاً واستعداداً لاستيعاب هذا النوع من التجمعات الحضرية المبتكرة.
في المحصلة، يبقى نيوم مشروعاً يُراقبه العالم باهتمام بالغ، لا لما أنجزه حتى الآن، بل لما يكشفه من حجم التحديات التي تواجه تحويل الأفكار الاستثنائية إلى واقع ملموس، ولما يُجسّده من إرادة سعودية راسخة في بناء اقتصاد المستقبل.
المصدر:
-
Financial Times – Saudi Arabia scales back Neom’s “The Line” ambitions
-
Bloomberg – Saudi Arabia rethinks scale and timeline of Neom’s The Line
روابط ذات صلة:
-
الموقع الرسمي لمشروع نيوم
https://www.neom.com -
مشروع The Line – الصفحة الرسمية
https://www.neom.com/en-us/regions/theline
